عبد القادر الجيلاني
65
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
تجزعوا واثبتوا ولا تنفروا ، واسألوا ولا تسأموا ، وانتظروا وترقبوا ولا تيأسوا ، وتواخوا ولا تعادوا ، واجتمعوا على الطاعة ولا تتفرقوا ، وتحابوا ولا تباغضوا ، وتطهروا عن الذنوب وبها لا تدنسوا ولا تتلطخوا وبطاعة ربكم فتزينوا ، وعن باب مولاكم فلا تبرحوا ، وعن الإقبال عليه فلا تتولوا ، وبالتوبة فلا تسوفوا ، وعن الاعتذار إلى خالقكم في آناء الليل وأطراف النهار فلا تملوا ، فعلكم ترحمون وتسعدون ، وعن النار تبعدون ، وفي الجنة تحبرون ، وإلى اللّه توصلون ، وبالنعيم وافتضاض الأبكار في دار السلام تشتغلون وعلى ذلك أبدا تخلدون وعلى النجائب تركبون ، وبحور العين وأنواع الطيب وصوت القيان مع ذلك النعيم تحبرون ، ومع الأنبياء والصديقين والشهداء الصالحين ترفعون . المقالة الثالثة في الابتلاء قال رضي اللّه تعالى عنه وأرضاه : إذا ابتلى العبد ببلية تحرك أولا في نفسه بنفسه ، فإن لم يتخلص منها استعان من الخلق كالسلاطين وأرباب المناصب وأرباع الدنيا وأصحاب الأحوال وأهل الطب في الأمراض والأوجاع ، فإن لم يجد في ذلك خلاصا رجع إلى ربه بالدعاء والتضرع والثناء ، ما دام يجد بنفسه نصرة لم يرجع إلى الخلق ، وما دام يجد به عند الحق نصرة لم يرجع إلى الخالق ، ثم إذا لم يجد عند الخالق نصرة استطرح بين يديه مديما للسؤال والدعاء والتضرع والثناء والافتقار مع الخوف والرجاء ، ثم يعجز الخالق عزّ وجلّ عن الدعاء ولم يجيبه حتى ينقطع عن جميع الأسباب ، فحينئذ ينفذ فيه القدر ويفعل فيه الفعل ، فيفنى العبد عن جميع الأسباب والحركات ، فيبقى روحا فقط ، فلا يرى إلا فعل الحق فيصير موقنا موحدا ضرورة يقطع أن لا فاعل في الحقيقة إلا اللّه لا محرك ولا مسكن إلا اللّه ولا خير ولا شر ولا ضر ولا نفع ولا عطاء ولا منع ولا فتح ، ولا غلق ، ولا موت ولا حياة ، ولا عز ولا ذل إلا بيد اللّه فيصير في القدر كالطفل الرضيع في يد الظئر والميت الغسيل في يد الغاسل والكرة في صولجان الفارس يقلب ويغير ويبدل ، ويكون ولا حراك به في نفسه ولا في غيره فهو غائب عن نفسه في فعل مولاه ، فلا يرى غير مولاه وفعله ، ولا يسمع ولا يعقل من غيره إن بصر وإن سمع ، وعلم ، فلكلامه سمع ، ولعلمه علم ، وبنعمته تنعم ، وبقربه تسعد ، وبتقريبه تزين وتشرف ، وبوعده طاب وسكن ، وبه اطمأن ، وبحديثه أنس ، وعن غيره استوحش ونفر ، وإلى ذكره التجأ وركن ، وبه عزّ وجلّ وثق وعليه توكل ، وبنور معرفته اهتدى وتقمص وتسربل ، وعلى